حبيب الله الهاشمي الخوئي
16
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( وأقام المنار للسالكين في جواد طرقها ) والمراد بالمنار العلامات التي يهتدى بها السالكون من الجبال والتلال أو النجوم ، والأول أظهر بملاحظة المقام واعلم أنّ هذا الفصل لمّا كان متضمّنا لبعض ما في عالم العناصر من دلائل القدرة وبدائع الحكمة وعجائب الصنعة وما أودع اللَّه سبحانه فيه من المنافع العامة والفوائد التّامة لا جرم أحببت تذييل المقام بهدايات فيها دراية على مقتضى الترتيب الذّكري الَّذي جرى عليه هذا الفصل فأقول : وباللَّه التكلان وهو المستعان الهداية الأولى في دلايل القدرة في الأرض والمنافع المعدّة فيها للخلق وهى كثيرة لا تحصى لكنّا نقتصر على البعض بما ورد في الكتاب وأفاده أولو الألباب فمنها أنه سبحانه جعلها مدحوّة على الماء وبارزة منه مع اقتضاء طبعها الغوص فيه وإحاطة البحار بها ، وذلك لحكمة الافتراش وأن يكون بساطا للنّاس كما قال تعالى : * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ) * وقال : * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَراراً ) * وقال : * ( اللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً ) * . فلو كانت غائصة في الماء لبطل تلك الحكمة فأخرج سبحانه بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا ومهادا ومنها - كونها ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك لأنّ الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أنّ الخفاف بالطبع تميل إلى فوق ، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء والتحت ما يلي المركز ، فكما أنه يستبعد حركة الأرض فيما بيننا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأنّ ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فاذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها إلى علاقة من فوقها